عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي

76

مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي

فإنَّ هذه الآيةَ إِنما نزلتْ فيمن هذه صفاتُهُ ، وهذا الوصفُ - أَعني طلبَ المدح مِنَ الخلقِ ومحبَّتَهُ والعقوبةَ عَلَى تركهِ - لا يصلحُ إِلَّا لله وحدهُ لا شريكَ لهُ ، ومن هنا كان أئمةُ الهدى ينهونَ عن حمدهِم عَلَى أعمالهم وما يصدُرُ منهم من الإحسانِ إِلَى الخلقِ ، ويأمرونَ بإِضافةِ الحمدِ عَلَى ذلك إِلَى اللَّه وحدهُ لا شريكَ لهُ ، فإِن النِّعم كلَّها منهُ . وكانَ عمرُ بنُ عبدِ العزيز - رحمه الله - شديد العنايةِ بذلكَ ، وكتبَ مرةً إِلَى أهلِ الموسمِ كتابًا يْقرَأُ عليهم ، وفيه الأمرُ بالإحسانِ إليهم ، وإزالةُ ( المظالمِ التي ) ( * ) كانت عليهم ، وفي الكتاب : " ولا تحمدُوا عَلَى ذلك كُلِّهِ إلًا اللَّهِ ، فَإِنّهُ لوْ وَكَلَني إِلَى نفسِي كنتُ كغيري " ( 1 ) . وحكايتُه مع المرأةِ التي طلبتْ منه أن يفرضَ لِبناتِها اليتامى مشهورةٌ ، فإنها كانت لها أربعُ بناتٍ ، ففرض لاثنتينِ منهنَّ ، وهي تحمدُ اللَّه ، ثُم فرضَ للثالثةِ فَشَكرتْهُ ، فقالَ : إنَمَا كنَّا نفرضُ لهنَّ حيثُ كنتِ تولينَ الحمدَ أهلَهُ ، فمري هؤلاء الثلاثَ يُواسينَ الرابعة . أو كما قال - رضي الله عنه . وحاصل الأمر أراد أن يعرف أنَّ ذا الولايةِ إِنما هو مُنتصِبٌ لتنفيذ أمرِ اللَّه ، وآمرُ العبادَ بطاعة الله تعالى ، وناهٍ لهم عن محارم الله ، ناصحٌ لعبادِ الله بدُعائهم إِلَى الله ، فهو يقصد أن يكون الدينُ كُلُّه لله ، وأن تكونَ العِزَّةُ لله وهو مع ذلك خائفٌ من التقصيرِ في حقوقِ الله أيضًا . فالمُحِبّونَ للَّه غَايةُ مقاصدهم من الخلقِ أن يحبوا الله ويُطعوهُ ، ( ويفردوه ) ( * * ) بالعبوديةِ والإلهيةِ ، فكيفَ من يزاحِمُهُ في شيء من ذلك ، فهو لا يريدُ من الخلقِ جزاءً ولا شُكُورًا ، وإِنما يَرجُو ثوابَ عمله من الله كما قال الله تعالى :

--> ( * ) مظالم : " نسخة " . ( 1 ) أخرجه أبو نعيم في " الحلية " ( 5 / 293 ) . ( * * ) من النسخة " ك " وباقي النسخ الثلاث : " ويعرفوه " .